ابن الحسن النباهي الأندلسي

44

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

فحوّل ابن غانم دابّته وعرّج إلى داره ، فعاتبه على ذلك ، فقال له : « أصلح اللّه الأمير ! إنما تنفّذ أحكام القاضي على قدر جاهه ولو ساعدتك ، وحرّكت دابّتي ، سقطت قلنسوتي ؛ فلعب بها الصبيان ! » وراكبه مرّة أخرى ؛ فشقّ إبراهيم زرعا ، فلم يسلك ابن غانم معه . ورأيت بخطّ القاضي أبي الفضل ما نصّه : قال ابن غانم : دخلت مجلس إبراهيم بن الأغلب ، فبينما نحن قعود ، إذ أشرف علينا إبراهيم ، فقام إليه من كان في البيت غيري ، فجلس مغضبا ، ثم قال لي : « يا أبا عبد الرحمن » ما منعك أن تقوم ، كما قام إخوانك ؟ » فقلت : « أيها الأمير ، حدّثني مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « من أحب أن يتمثّل له الرجال قياما ، فليتبوّأ مقعده من النار ! » فنكس إبراهيم رأسه وأطرق . فكان هذا القاضي يكثر إنشاد هذين البيتين : [ الطويل ] : إذا انقرضت عنّي من العيش مدّتي * فإنّ غناء الباكيات قليل سيعرض عن ذكري وتنسى مودّتي * ويحدث بعدي للخليل خليل وتوفّي قاضيا في ربيع الأول سنة 179 ، فكانت ولايته ثماني عشرة سنة وتسعة أشهر - غفر اللّه لنا وله ، ورحمنا وإيّاه ! . فصل : مسألة القيام التي تكلّم فيها ابن غانم تحتاج إلى تفصيل ؛ وحاصله ما قاله أبو الوليد في « بيانه » ، ونصّه : القيام للرجال على أربعة أنواع ؛ وجه يكون القيام فيه محظورا ، ووجه يكون فيه مكروها ، ووجه يكون فيه جائزا ، ووجه يكون فيه حسنا . فأمّا الوجه الأول ، الذي يكون فيه محظورا ، لا يحلّ : فهو أن يقوم إكبارا وتعظيما لمن يحبّ أن يقام إليه تكبّرا وتجبّرا على القائمين عليه . وأمّا الوجه الذي يكون القيام فيه مكروها ، فهو أن يقوم إكبارا وتعظيما وإجلالا لمن لا يحبّ القيام إليه ولا ينكر على القائمين إليه ؛ فهو يكره للتشبّه بفعل الجبابرة ولما يخشى أن يدخله من تغيّر نفس المقوم إليه . وأمّا الوجه الذي يكون القيام فيه جائزا ، فهو أن يقوم تجلّة وإكبارا لمن لا يريد ذلك ، ولا يشبّه حاله حال الجبابرة ، ويؤمن أن تتغيّر نفس المقوم إليه لذلك ؛ وهذه صفة معدومة ، إلّا فيمن كان بالنبوءة معصوما ؛ لأنّه ، إذا تغيّرت نفس عمر بالدابّة التي ركب عليها ، فمن سواه بذلك أحرى ! وأمّا الوجه الرابع الذي